البكاء بين يدى زرقاء اليمامة (أمل دنقل)

  Stone Heart منذ 2032 يوم عام 5413 3

زرقاء اليمامة قصة من اقدم القصص فى الجاهلية والتى تحكى عن فتاة عرفت بحدة البصر والذكاء
ولحدة بصرها كانت تراقب الأعداء من بعيد
,
لتنذر قومها بجيوش الاعداء وهم على بعد كبير ليستعدوا لملاقاتهم.
حتى فكر احد الاعداء مرة ان يخدعها بحيلة فطلب من رجاله ان يحمل كل منهم فرع شجرة يستتر به ويسير خلفه
.
ورأت زرقاء اليمامة الاشجار تسير ولم تر الجنود فذهبت لقبيلتها تخبرهم ما رأت
,فسخروا منها,ولم يعدوا العدة لملاقاة العدو,ففاجأهم العدو بجيشه واستولى على ديارهم,وانتقم العدو من زرقاء اليمامة بأن سمل عينيها ونكل بها.

البكاء بين يدى زرقاء اليمامة

أمل دنقل



 

ايتها العرافة المقدسة
جئت اليك...مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف فى معاطف القتلى, وفوق الجثث المكدثة
منكسر السيف, مغبر الجبين والاعضاء
أسال يا زرقاء...
عن فمك الياقوت.عن نبوءة العذراء
عن ساعدى المقطوع...وهو مايزال ممسكا
بالراية المنكسة
عن صور الاطفال فى الخوذات...ملقاة على الصحراء
عن جارى الذى يهم بارتشاف الماء...
فيثقب الرصاص رأسه...فى لحظة الملامسة!
عن الفم المحشو بالرمال والدماء!!


أسأل يا زرقاء
...
عن وقفتى العزلاء بين السيف...والجدار!
عن صرخة المرأة بين السبى. والفرار؟
كيف حملت العار
ثم مشيت؟دون ان اقتل نفسى؟ دون ان انهار؟!
ودون ان يسقط لحمى...من غبار التربة المدنسة؟!
تكلمى ..........
تكلمى.............
لا تغمضى عينيك, فالجرذان...
تلعق من دمى حسائها...ولا اردها
تكلمى...لشد ما انا مهان
لا الليل يخفى عورتى...ولا الجدران!
ولا اختبائى فى الصحيفة التى اشدها...
ولا احتمائى فى سحائب الدخان
...تقفز حولى طفلة واسعة العينين...عذبة مشاكسة
(- كان يقص عنك يا صغيرتى...ونحن فى الخنادق
فنفتح الازرار فى ستراتنا...ونسند البنادق
وحين مات عطشا فى الصحراء المشمسة...
رطب باسمك الشفاة اليابسة...
وارتخت العينان!)
فأين اخفى وجهى المتهم المدان؟
والضحكة الطروب: ضحكته...
والوجه...والغمازتان؟


لا تسكتى
...فقد سكت سنة فسنة...
لكى انال فضلة الأمان
قيل لى (اخرس)
فخرست...وعميت...وائتممت بالخصيان!
ظللت فى عبيد (عبس) أحرس القطعان
اجتز صوفها...
أرد نوقها
انام فى حظائر النسيان
طعامى: الكسرة...والماء...وبعض التمرات اليابسة
وها انا فى ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة...والرماة...والفرسان
دعيت للميدان!
انا الذى ما ذقت لحم الضان..
انا الذى أقصيت عن مجالس الفتيان,
أدعى الى الموت...ولم ادع الى المجالسة
تكلمى ايتها النبية المقدسة


تكلمى
...تكلمى...
فها انا على التراب سائل دمى
وهو ظمىء...يطلب المزيدا
اسائل الصمت الذى يخنقنى:
"ما للجمال مشيها وئيدا..؟"
"اجندلا يحملن أم حديدا..؟"
فمن ترى يصدقنى؟
اسائل الركوع والسجودا
اسائل القيودا:
"ما للجمال مشيها وئيدا..؟”
"ما للجمال مشيها وئيدا...؟"



ايتها العرافة المقدسة
...
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار؟؟؟
فاتهموا عينيك, يا زرقاء, بالبوار!
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الاشجار...
فاستضحكوا من وهمك الثرثار!
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا...
والتمسوا النجاة والفرار!
ونحن جرحى القلب,
جرحى الروح والفم.
لم يبق الا الموت...
والحطام...
والدمار...
وصبية مشردون يعبرون اخر الانهار
ونسوة يسقن فى سلاسل الأسر
وفى ثياب العار
مطأطات الرأس...لا يملكن الا الصرخات التاعسة



ها انت يا زرقاء

وحيدة ...عمياء
وماتزال اغنيات الحب...والاضواء
والعربات الفارهات...والازياء
فاين اخفى وجهى المشوها
كى لا اعكر الصفاء...الابله...المموها
فى اعين الرجال والنساء!؟
وانت يا زرقاء...
وحيدة...عمياء!
وحيدة...عمياء!!

إضافه رد جديد رد سريع
مجموع التعليقات (3)

 

 

شكرا لك نبيه على هذه القصيدة الرائعة واسمح لي ان اشرح لك هذه القصيدة وتقبلها مني

شرح لأبيات زرقاء اليمامة

هكذا، نعاني نحن العرب في هذه الأيام حالاً أشبه بحال الهزيمة، فإسرائيل تعربد في الأراضي المحتلة، وترتكب من المذابح مايندى له جبين الإنسانية، وما من قوة عربية تستطيع أن تواجهها، أو ترد على عدوانها، الأمر الذي ترك مرارة الهزيمة العربية على كل الألسنة. ولذلك لا يملك المرء سوى تذكر قصائد أمل دنقل عن الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن ذكراه التاسعة عشرة تلح في هذه الأيام، فقد توفى في الحادي والعشرين من مايو سنة 1983.

وأتصور أن القصيدة الأولى التي ترد على الذهن من شعر أمل، في هذا السياق هي قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) وهي قصيدة دالة في إدانتها للأنظمة التي أوقعت الهزيمة بشعوبها، ودالة على أن الهزيمة تتخلق في الداخل قبل أن تأتي كالعاصفة الجائعة من الخارج، ودالة على أن الشعوب المحكومة لا تملك سوى البكاء عندما تشعر بهوان وضعها، ولكن من الزاوية التي تجعل من بكائها تمردا على كل من تسببوا في هزيمتها.

والواقع أن قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) أهم قصائد أمل بعد هزيمة العام السابع والستين. جذبت الأنظار إليها والى شاعرها، وذلك عندما أعادت إلى الأذهان مأساة (زرقاء اليمامة) التي حذرت قومها من الخطر القادم فلم يصدقوها، كأنها صوت الإبداع الذي كان يحذر من الخطر القادم في العام السابع والستين فلم يصدقه أحد إلا بعد أن حدثت الكارثة. وإذ أكد (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التشابه بين الماضي والحاضر، فإنه أكد الهوية القومية لشعر أمل دنقل من حيث وصل الرموز بجذورها في التراث العربي الذي يصل بين المبدع والقارئ، ومن حيث ربط هذه الهوية برؤية لا ترى إمكانا للمستقبل إلا بنهضة قومية تستعيد أعظم ما في الماضي من خبرات وتتجاوز مافي الحاضر من ثغرات.

ولا شك أن جانبا لافتا من التأثير الذي تركته هذه القصيدة يرجع إلى طبيعة الصوت الذي ينطقه القناع بها، فهو صوت المواطن العربي البسيط الذي يقف أعزل بين السيف والجدار، يصمت كي ينال فضلة الأمان، كأنه عبد من عبيد عبس يظل يحرس القطعان، يصل الليل بالنهار في خدمة السادة، طعامه الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة. وحين تقع الواقعة لا يملك هذا العبد سوى التوجه إلى (زرقاء اليمامة) التي هي مثله بمعنى من المعاني، كي ينفجر في حضرتها بالكلمات التي تقول:

أيتها العرافة المقدسة
جئت إليك.. مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
اسأل يازرقاء
كيف حملت العار
ثم مشيت، دون أن أقتل نفسي، دون أن أنهار
ودون أن يسقط لحمي من غبار التربة المدنسة

هذا العبد الذي ينطق في القصيدة كان يجسد صوت الشاعر من ناحية، وصوت المواطن العربي المسكين الذي مزقته الهزيمة من ناحية ثانية. ولذلك اتحدت جماهير القراء بصوت هذا العبد العبسي البائس الذي دعي إلى الميدان والذي لا حول له ولا شأن، فانهزم وخرج من جحيم هزيمته عاجزا، عاريا، مهانا، صارخا، كأنه صدى يجسد ما في داخل كل قارئ عربي للقصيدة في الوقت الذي كتبت فيه. وإذا كان صوت هذا العبد العبسي شاهدا على الهزيمة فإن بكاءه في حضرة زرقاء اليمامة، العرافة المقدسة،
شاهد على مايمكن أن يفعله الشعر في زمن الهزيمة، خصوصا من حيث هي صورة أخرى من هذه العرافة: يرى ما لا يراه الآخرون ويرهص بالكارثة قبل وقوعها، وينطق شهادته عليها وقوعها، ويتولى تعرية الأسباب التي أدت إليها، غير مقتصر على الإدانة السلبية في سعيه إلى استشراف أفق الوعد بالمستقبل الذي يأتي بالخلاص.
ولذلك كان بكاء هذا العبد في حضرة زرقاء اليمامة، مثل شهادته، علامة على أسباب الهزيمة التي ترتبت على غياب الحرية والديموقراطية عن قبائل (عبس) العربية، من العصر الجاهلي إلى العام السابع والستين، حين كتبت هذه القصيدة، كما كان هذا البكاء تأبينا لزمن مضى، وإدانة لأخطاء زمن لم يخلف سوى الكارثة، وبحثا عن زمن يأتي بخلاص من هذه الكارثة.
وأعترف أنني كلما طالعت شاشات التليفزيون الأجنبية والعربية، ورأيت المذابح البشعة التي ارتكبها الإسرائيليون في حق الشعب العربي الفلسطيني، في رام الله أو نابلس أو جنين أو طولكرم وغيرها من الأماكن الفلسطينية العزيزة، شعرت بالهزيمة والانكسار والعجز ووجدت نفسي استعيد الصوت الصارخ في قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) من عجزه ومحنته، ومضيت مثله أسأل عن السواعد المقطوعة التي ظلت ممسكة بالرايات العربية المنكسة، وعن جثث الأطفال ملقاة بين الخيام، وعن وقفة المرأة الفلسطينية بينما الدبابات الإسرائيلية تمضي فوق حطام منازلهم التي هدمتها القذائف الغادرة، فأقول لنفسي إلى متى نحمل - نحن العرب - هذا العار؟ إلى متى؟!

واسفة جدا اذا ازعجتك بالشرح لانها من اعجابي بها  ,, وشكرا لك نبيه على القصيدة

رولا

<!-- / message -->

شكرا لكى رولا لمرورك واضافاتك الرائعه وشرحك بجد زدتى الموضوع تألقا وتوضيحا اقصيده بجد اكثر من رائعه شكرا لمرورك اختى
يسلموا نبيه ع الموضوع وانا سمعت مره بزرقاء اليمامه بس هسه فهمت قصتها .. وبرضوا يسلموا رولا ع شرح القصيده :)

مواضيع ذات علاقة

مشاركات ذات علاقة