التغذية الحية
مجموع 0 تقييم 0.00
منذ 1608 يوم   slime 482  .  

إضافه رد جديد

الحمد لله
يتصرّف الإنسان في مرّات عديدة على نحو دون تفكير في دوافعه أو تقدير لنتائجه، وما إن ينتبه إلى مآل هذا التصرّف حتّى يسرع إلى تبريره بأنّه صدر عن حسن نيّة، أو دون قصد سيّء؛ وفي المقابل تبدو لنا أفعال بعض الناس الذين لا نشعر إزاءهم بأريحية ولا نحمل لهم أدنى إحساس بالألفة، بأنّها صادرة عن سوء نيّة أو أنّها مقصودة. من هنا نتساءل كيف لنا أن نحكم على تصرّفنا نحن بأنّه مبني على حسن نيّة وعن تصرّف صادر عن الغير بأنّه مبني على نيّة سيّئة؟ هل لدينا من الخبرات وسعة التقدير بما يؤهّلنا للتمييز بين نيّة سيئة وأخرى حسنة؟ وقبل ذلك ماذا يمكن أن نفهم من النيّة حتّى نصنّفها إلى جانب سيّء وجانب حسن؟
ترتبط النيّة من الناحية العملية بدوافع الأفعال أو التصرّفات، فهي بمثابة ما يسبّب إقداما على القيام بأمر أو قول أو أيّ شيء آخر، أو ما يمنع من القيام به دون أن نضع في الاعتبار النتائج المترتّبة عنها سواء كانت إيجابية أو سلبية، فأن نتصرّف بناء على النيّة معناه أن لا نحتكم إلى أيّ نوع من التقديرات المسبقة أو من الحسابات القبلية أثناء قيامنا بالفعل، ولهذا نحكم في أحيان كثيرة على تصرّفات بسيطة أو تلقائية بأنّها مبنية على نيّة خالصة. فقد يحدث أن يفْشي شخص ما أمرا دون أن يقدّر خطورة إفشائه، وقد يقوم قريب لنا أو صديق بتصرّف يثير استياءنا، وبمجرّد ما ندرك أنّه صادر عن نيّة خالصة حتى نتجاوزه. ولكن، عندما يقوم شخص غريب بمثل هذا التصرّف نغتاظ منه ونعتبره عن سوء نيّة، فلا نقبل به خاصّة إذا لم نكن نحمل إزاء هذا الشخص أيّ شعور بالمودّة. فكيف نستطيع تفسير هذا التناقض في الحكم على تصرّف واحد؟ هل يعود إلى ما يحمله التصرّف ذاته من شخص إلى آخر أم يعود إلى من يحكم على هذا التصرّف؟
هنا لا أجد تفسيرا لهذه الوضعية سوى بالرجوع إلى مسألة النيّة، بمعنى، أنّه استنادا إلى نيّتي أنا يتحدّد الحكم. فإذا كان في نيّتي إلقاء اللوم على من لا أرتاح له ولا أستلطفه، بل أعتبره ثقيلا، فإنّي أصنّف أفعاله وتصرّفاته دائما ضمن النوايا السيّئة مهما كانت درجة صدقه أو عفويته، أمّا إذا كان في نيّتي تقبّل الغير على أساس مشاعري الإيجابية نحوه، فإنّ تصرّفاته سوف تظهر بمظهر حسن مهما كانت النزايا المتخفّية خلفها. فالأمر يعود إليّ وإلى الظرف الذي أوجد فيه وإلى العلاقات التي تربطني بالغير، أيّ النيّة هنا ليست شيئا آخر غير المقاصد التي أحملها على الفعل أو القول أو التصرّف، فإذا كانت ذات طابع إيجابي جعلتها إيجابية وإذا كانت ذات طابع سلبي جعلتها سلبية، فمن نحاسب عندئذ على نواياه؟ هل نحاسب الغير على نواياه مع أنّنا بعيدين تماما عن النفاذ إلى عمقه ومكنون مشاعره؟ أم نحاسب أنفسنا على نوايانا التي دفعتنا نحو الحكم على غيرنا وفق صورة تلبّي ميولنا وترضي غرورنا؟ ألا نحتاج إلى إعادة النظر في طرق حكمنا وفي أسس تعاملنا مع الغير ومدى نزاهتنا في تصنيفه ؟ هناك أفعال وهناك نوايا، وما بين هذه وتلك توجد مسافة نعجز عن تقديرها، لذلك حقّ القول بأنّ الإنسان يحكم بالظاهر والله سبحانه وتعالى يتولّى السرائر. ولعلّ من أسوأ ما يحصل من جرّاء الاعتقاد في قراءة النوايا أو معرفتها هو التسرّع في الحكم على غيرنا ونعته بما لا يتّصف به؛ وعندما ننتبه إلى فداحة ما ارتكبناه يصعب علينا التنازل عن غرورنا فنمرّ وكما لو أنّ شيئا لم يكن. فأيّة نيّة هذه التي وجّهت حكمنا نحو الإساءة إلى الغير؟ وهل هناك ما هو أفدح بالنسبة إلى الإنسان من الانقياد إلى غروره أو هواه؟ ربّما لهذه الاعتبارات يحصل أحيانا أن نخسر صديق أو نسيء إلى قريب، بل يصل الأمر أحيانا إلى انتهاك رابطة الأبوّة أو الأمومة أو الزواج...لمجرّد تسرّع في الحكم أو لإرضاء غرور خدّاع.


اذهب إلى: 
مجموع التعليقات (0)

مواضيع ذات علاقة

 

مشاركات ذات علاقة

 

معلومات المحرر

746  Points
127  موضوع
241  تعليق

لوحة المعلومات

منتديات : النقاشات المختلفة

6420  موضوع
24103  رَد
44  وسائط متعددة مرتبطة

 المراقبين:

المنتديات

نجومنا

مشاركات مقترحة